نخبة من الأكاديميين

608

موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب

العربيّ في مرتبةِ الحافظِ للعلم اليوناني ، هذا المَيل الذي تزايَد وتعمّق في القرن التاسع عشر . كتب مونتوكلا : " إنّ العرب الذين نملك عادة عنهم فكرة مجحفة للغاية ، لم يكونوا دائماً لا مبالين إزاء سحر العلوم والآداب . لقد كانت لهم ، مثل باقي الشعوب ، أزمنة من الهمجية والفظاظة ؛ لكنّهم فيما بعد ، صقلوا أنفسهم إلى درجة أنّ القليل من الأمم تستطيع المفاخرة بهذا القدْر من النور وهذا القدر من الاندفاع الذي أبدوه تجاه المعارف الجميلة ، على امتداد قرون عديدة . وفي حين سقطت العلوم في النسيان عند اليونانيين ولم تبق تقريباً إلا في المكتبات ، كان العرب يجذبونها إليهم ويعطونها ملاذاً مُشرِّفاً . وكانوا أخيراً المؤتمنين الوحيدين عليها خلال فترة طويلة ، وبفضل التجارة التي أقمناها معهم ، نحن مدينون لهم بأشعة النور الأولى التي أتت تقطع ظلام القرون الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر " ( « 1 » . وكردة فعل على الأفكار الفلسفيّة الكلاسيكية ، عارضت الفلسفة الماهويّة « 2 » ، التي ظهرت في القرن التاسع عشر ، مذهب " الكونيّة " الذي ازدهر في القرن السابق ، باعتبار أنّ الكونيّة الوحيدة الممكنة بالنسبة إليها لا يمكن أن تكون إلّا غربية . وهكذا ظهرت نزعة غربيّة نفعيّة وامبرياليّة تحتقر الحضارات الأخرى وتتساكن مع نزعة استشراقيّة رومنسية تَجَمَّدَ في تصورها شرقٌ خالد ورائع ، في موقف مُقَولب مناقض للواقع التاريخي . وإذا بالشرق والغرب ، يصبحان متعارضَين كوضعيتين تاريخيتين مختلفتَي الجوهر جذرياً « 3 » . وقد أدى بروز المدرسة الفلسفيّة الألمانية المعروفة بالمدرسة اللغويّة ، إلى إعطاء أساس يدّعي العلمية لهذه الأطروحات : فقد رأت هذه المدرسة أنّ بنية اللغة تحدد بنية الفكر ، ويالتالي ، فإنّ التعارض بين بنيات اللغات الهندو - أوروبية واللغات السامية سببٌ يُبرِّر تصنيفاً للذهنيات . وبلغت هذه الحركة أوجها في فرنسا مع إرنست رينان ( Ernest Renan ) الذي اعتبر أن فِكرة وجود العلم العربي مستحيلة بسبب بنية اللغات السامية ؛ ويتجلّى ذلك في قوله : " إنّ الأحاديّة والبساطة اللتين تميّزان العرق السامي نجدهما في اللغات السامية نفسها . فالتجريد عندهم غير معروف ، والميتافيزيكا مستحيلة . وبما أن اللغة هي القالب الضروري للعمليات الذهنية للشعوب ، فاللغة المجرّدة تقريباً من النحو ، والتي لا تتضمن تنويعاً في البناء ، والمفتقرة إلى كلِمات الرَبط التي تعقد بين عناصر التفكير علاقات دقيقة ، والتي ترى جميع الأشياء من خلال صفاتها الخارجية ، هذه اللغة يجب أن تكون على الأكثر مختصة بالإلهامات البليغة للعرّافين وبرسم الانطباعات الزائلة ، لكنّها لن تُمَكِّن من ممارسة أيّة فلسفة أو أي تأمّل ذهني " « 4 » . وهكذا يرى رينان أنّ : " العِرق الساميَّ لا يُعرَّفُ ، بشكل شبه حصري ، سوى بصفات سلبية : فلا ميتولوجيا عنده ، ولا ملاحم ، ولا علم ، ولا فلسفة ، ولا تخيّل ، ولا فنّاً تشكيليّاً ، ولا حياة مدنية " « 5 » ؛ والاستنتاج المنطقي في هذه الحال يكون أنّ العلم العربي هو " صدىً لليونان ممزوج مع تأثيرات من بلاد فارس والهند " « 6 » . ازدادت حدّة المَيْل الذي ظهر في نهاية القرن الثامن عشر ، للنظرِ إلى العلم العربي بشكل أساسيّ ،

--> ( 1 ) راجع Montucla , Histoire des mathematiques , Paris an VII , vol . I , pp . 351 - 421 . ( 2 ) أو " الجوهريّة " ( L'essentialisme ) : مذهب فلسفي يقول بأولويّة الجوهر على الوجود ( المترجِم ) . ( 3 ) راجع كتاب ر . راشد المذكور أعلاه : R . Rashed , Entre arithmetique et algebre , ( la notion de science occidentale ) , pp . 301 - 318 . ( 4 ) راجع E . Renan , Histoire generale et systeme compare des langues semitiques , Paris 1863 , p . 18 . ( 5 ) راجع كتاب رينان المذكور أعلاه : E . Renan , p . 16 . ( 6 ) ( 37 ) راجع E . Renan , Nouvelles considerations sur le caractere general des peuples semitiques , Paris 1859 , p . 89 .